الصور تتحدث

‏إظهار الرسائل ذات التسميات مذكرات خاصة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مذكرات خاصة. إظهار كافة الرسائل

الثلاثاء، 2 يونيو 2009

لماذا صرخ سامي محمد عام 1980؟!



كتب-بدر بن غيث:

زرت مؤخرا متحف الفن الحديث لأمتع نفسي برؤية الأعمال الرائعة للفنانين الذين تركوا فنا رائعا يعد ثروة بحد ذاتها تستحق الكتابة عنها والتنظير فيها جيدا.

وبين هذه الأعمال منحوتة الفنان الرائع سامي محمد الذي قدم عام 1980 عملا أصبح رمزا لثورة النفس وتعبيرا صارخا للألم والمعاناة التي يعيشها كل إنسان مضطهد في العالم.

فرجعت للبيت ومن ثم حصلت على فرصة نادرة للقاء بسامي محمد وهو يسعى لنقل خلاصة تجربته الفريدة لفنانة شابة تسعى لدخول مجال الفنون التشكيلية من نافذة النحت ذلك الفن الصعب.

سألته عن منحوتته الخالدة بضع أسئلة جمعتها من أقاويل عديدة حيكت حول هذا العمل وجاءت كالتالي..

بدر :هل صحيح ان عمل "الصرخة" يجسد معاناة الشعب الكويتي من جريمة الاحتلال العراقي؟

سامي: عملت "الصرخة" عام 1980 وهي تجسد المعاناة والشعب الكويتي كان يعاني من الاحتلال العراقي.

بدر: صج يقولونان هالعمل موجود منه نسخة في متحف اللوفر بباريس؟

سامي: لا طبعا متحف اللوفر هو متحف للفن يحتوي على عدد من الاعمال اللي تخلد فترات تاريخية مهمة من تاريخ الفنون التشكيلية في العالم.

بدر: انزين من أي مادة صنعته وهل صحيح فيه منه نسخ عديدة؟

سامي: بديت فيه مثل ما بديت معاكم (يقصد تدريبه لنا في ورشة النحت المصغرة) ومثل ما انت عارف كنت محتاج شخص يعبر بوجهه عن مشاعر الألم والصراخ، وبعد بحث ما لقيت غير إني اوقف جدام المنظرة وأظل أصرخ وأعبر بويهي وأنقل هالتعابير على العمل اللي بدأته بالطين ومن ثم بعد الانتهاء منه قمت وصبيت عليه البرونز.

اما عن عدد النسخ فالعمل هو من مقتنيات المجلس الوطني للثقافة والفنون الآداب واللي تم الاتفاق عليه إني أنسخ منه 6 نسخ فقط.

بدر : هل فكرت تعيد عم الصرخة من جديد؟

سامي: انا ملتزم بعدد مرات النسخ وما أفكر بتصميم عمل مثله وهذه مرحلة وعدت.



السبت، 28 فبراير 2009

سامي محمد بطل فيلم أمريكي!!



كتب- بدر بن غيث:

أثناء تصفحي لمنحوتات الفنان سامي محمد المميزة بتجسيدها الإنسان فهو العنصر الأوحد في أعماله، وقضيته الأولى التي يدافع عنها سامي بريشته ومزوله، وبين كل منحوتاته لفت نظري عمل قديم جدا يعود لعام 1970، بعنوان "الجوع" ضم امرأة وطفلها بلغ فيها الجوع والفقر أشده ويكاد العمل يجبرك على وضع ما تملكه في يدك او جيبك لتنقذهما!!

وقررت من حينها استكمال "نبش" الذكريات والقصص الكثيرة التي ما يزال سامي يحتفظ بها، ولا أتصور بانه تطرق لها ذات مرة، وكانت فرصة لا تعوض حينها واجهته في بيت السدو ذات يوم ونحن نستعد لتنظيم معر مجموعة سامي محمد، فسألته في لحظة صمت بعد جولة في مخزن مقر مجموعته، وقلت له "أبو أسامه..وانا أقلب صورك وأعمالك شفت عمل غير باقي الاعمال كلها، وكنت تجسد فيه أم وولدها ومبين عليهم الفقر ومن الصورة واضح انهاقديمة جدا..متى سويت هالعمل وشلون طرت عليك فكرة الجوع بهالتجسيد..؟!"

راح سامي يسترجع بذاكرته وينطلق بي لاختراق الزمن والعودة لعام 1970، وقال " كنا أنا وبقية أعضاء المرسم الحر نعمل بجد في المرسم القديم بمدرسة صلاح الدين التي تحولت فيما بعد للمتحف العلمي التربوي، قبل أن ننتقل إلى المرسم الحر الحالي في بيت الغانم بمنطقة شرق، وأثناء عملنا كنت أفضل العمل في مرسمي في المنزل بمنطقة كيفان في الفترة الصباحية، أما الفترة المسائية فانطلق للمرسم لمشاركة زملائي العمل والحديث والتعلم.

لم اتصور ونحن نعمل في المرسم أن يدخل علينا النحات المصري الشهير الأستاذ مصطفى نجيب، الذي اشتهر بتنفيذ تماثيل "بورتريه" لغالبية ضيوف الزعيم المصري جمال عبدالناصر، كنت أشاهد تنفيذه لتلك الأعمال خلال متابعتي للأفلام في دور السينما القديمة القليلة بالكويت، حيث كان العرض يسبقه عرض لأهم أخبار الوطن العربي، وبالطبع كانت هذه من وسائل الإعلام المتوفرة آنذاك للعرف على ما يحدث في العالم، كم كانت دور السينما وقتها رائعة.

كان عمري آنذاك لا يتخطى السادسة عشر من عمري، فحفظت اسم مصطفى نجيب جيدا في ذاكرتي فهو بارع جدا في عمل البورتريهن فتخيلوا أن يكون هذا النحات الذي اعجبه أمامي وهو في عمر السبعين عام، ما أعرفه أنه جاء بطلب من أحد أبناء أسرة بهبهاني الذي قد طلب منه تنفيذ تماثيل لأحصنة سيضعها امام أحد عماراته مقابل سينما الفردوس، ولا أتصور بانه نجح في تنفيذ ما طلب منه لأنه في الأصل نحات بورتريه، ويبدو أنه تم الاستعانة به في المرسم الحر ليكون مشرفا.

لم اكن أتواجد في المرسم في الفترة الصباحية كما قلت لك، ومع مرور الأيام سألني أ.مصطفى عن سبب عدم مجيئي؟ وقال مازحا "الظاهر انك مخبي حاجة كبيرة في البيت...؟!"، وكأنه يعلم بأني فعلا أعمل على تنفيذ عمل خاص جدا، فقرر دوعته لمشاهدة التمثال، وحينما دخل مرسمي الخاص تفاجئ من العمل وقال "ان حتكون فنان كبير.. كم كانت كلماته مشجعة.

بعد انتهائي من عمل التمثال قمت بنقله للمرسم الحر، ووضع أمام مدخل المرسم، ومرت السنوات حتى استضافت الكويت عام 1984 مخرجا سينمائيا من الولايات المتحدة الأمريكية، بطلب من مؤسسة الكويت للتقدم العلمي الذين رغبوا في توثيق ما تشهده الكويت من تطور، وبعد عدة زيارات جاء للمرسم الحر، لم أكن وقتها في الكويت حسبما أذكر، وقيل لي أنه اندهش وانبهر وتوقف طويلا امام التمثال ولم يتحرك الا وبحث عن كاميرته الخاصة وراح يصور التمثال من كافة الزوايا، وبعد عودتي كان المخرج السينمائي قد رحل من دون ان ألقاه.

كم فرحت حينما بدأ المخرج الأمريكي الفيلم الوثائقي، بعرض التمثال ذاته الذي أعجب به، كانت هذه بالنسبة لي تحية منه لعملي الذي نلت به جائزة المعرض، الذي أقيم في متحف الكويت القديم "قصر خزعل".

بعد التحرير بعامين تقريبا زار الكويت مجددا ذات المخرج وهذه المرة برفقة احد طلابه الكويتيين الدارسين في الولايات المتحدة الأمريكية المخرج المبدع عبدالمحسن حيات، وللمرة الثانية طلبت منه المؤسسة المساهمة بفيلم، وهو فيلم 1% الشهير والذي تتلخص فكرته حول الفارق بين الإنسان وبقية الكائنات وتحديدا القرد، فاجتمع بالمسوؤلين في المؤسسة وأثناء تبادلهم تفاصيل الفيلم أخرج ظرفا احتوى على صورا التقطها لتمثالي، وعرضها عليهم وسأل أين أجد هذا الفنان هل هو موجود في الكويت وأين هو هذا العمل أريد أن أراه؟...

جاءني اتصال من أحد المسؤولين في وزارة الإعلام، لأتوجه بعدها لمؤسسة الكويت للتقدم العلمي لأجد هذا المخرج ينتظرن بشغف، وراح يتبادل معي الأحاديث ويصف لي سعادته بلقائي وبالعمل المميز الذي صوره من كل الزوايا، حتى انه قام تكبير احد صور التمثال بمقاس كبير جدا علقه على أحد جدران شقته في أمريكا، وكذلك قام بوضع صورة من التمثال وهو على تلال جبال دنفر الشهيرة.

وبعد حديث طويل سألني أين هو التمثال؟ جبته بحسرة بانه تحطم؟! كيف ومتى؟؟!! قام الغزاة العراقيين بتدمير التمثال في المرسم الحر مثلما حطموا كل ما هو جميل من صنع أهل الكويت في بلدهم المعطاء، ولم يتبق من التمثال سوى أشلاء منه احتفظت بها في مرسمي الخاص في البيت، طلب مني رؤية التمثال وفعلا انطلقنا للمنزل وشاهد التمثال المحطم فصوره بهيئته المحطمة، لتكون بداية فيلمه الجديد بعد فيلمه الأول، لقد قام المخرج عبدالمحسن حيات بشراء العمل وهو حاليا موجود في مكتبه الخاص.


هكذا روى سامي محمد قصة تمثال "الجوع" الذي كما أبلغني هي بداية الحقيقية، لتنفيذ العديد من التماثيل التي سجل فيها مرافعة عن الإنسان المظلوم المحطم الجائع.



تحديث..

اتصل بي الفنان سامي محمد معجبا بالسرد القصصي لمذكراته، وقام مشكورا بتنبيهي وتصحيح بعض ما ذكر في القصة، لذا اقتضى التنويه على ان النشر في أول مرة احتوى بعض المعومات الناقصة وتم تعديلها.

الجمعة، 20 فبراير 2009

قصة القلم الناشف والكاوبوي بالمرسم الحر



كتبت - فاطمة الصفار (مجلة ذوق)
العدد16 2008

عشقت مراسم المدارس في كل مدرسة أنتقل إليها..ففي المراسم كانت توجد الألوان،واكتشف ولعي مدرس الرسم وتميزت في الفصل على التلاميذ "بكراسة العلوم" وأصبحت من يرسم للفصل بكامله الأشجار والحيوانيات حتى كلفوني وأنا في العاشرة من العمر بمشروع رسم جنود وعساكر كثيرة، فهمت من الرسمة من هذه الرسمة بأن هناك عدوان ثلاثي على مصر، وحين وزعت الجوائز كانت رسمتي هي الفائزة وربحت وقتها "قلم ناشف وكان هذا القلم عظيمة بالنسبة لي بل كان حافزي الأول.

في عام 1963 حين كبرت دخلت المرسم الحر والذي جاء أول فواتح الخير على الفنانين في الكويت، فمنحنا التفرغ أنا ومجموعة رائدة من الفنانين أمثال : معجب الدوسري، أيوب حسين، عيسى صقر، خليفة القطان، خزعل القفاص،..وغيرهم، حيث تتلمذنا على يد الأستاذ أنور السروجي كان يعلمنا كيف نبدأ بالطين عمل التماثيل ومن ثم كيف نصبه، اما الأستاذ شوقي الدسوقي وهو خزاف قد لفت نظرنا للخزف قبل النحت، فكنا نحرق الخزف في الفرن ونعمل تماثيلنا، أما السروجي فهو من أسس النحت في الكويت، وكان له الفضل على النحاتين الكويتيين وكنا وقتها ستة نحاتين أعطانا هذا الأستاذ من روحه وقال لي السروجي" بأنني موهوب.." أتذكر حين دخلت المرسم الحر أول رسوماتي كانت عن الشاوي بعدها رسمت "الكاوبوي" لكن السروجي علمني كيف أصب الجبس وأصنع التمثال.

الاثنين، 8 ديسمبر 2008

قصة تمثال الشيخ عبدالله السالم




لجأت "للصعايدة" لرؤية التمثال..التماثيل شهود على همجية الاحتلال
سامي محمد يروي قصة تمثال الشيخ عبدالله السالم

كتب – بدر بن غيث:

أن تفتح كتابا لتقرأ حدثا تاريخيا فهذا لا يغنيك عن تخيل نفسك تعيش ذلك التاريخ، فكيف وأنت تجلس مع من يصنع التاريخ ليحكي لك الحكاية دون رتوش، يسرد لكل التاريخ بطريقة مشوقة تجعلك تتمنى صناعة آلة الزمن والعودة مع صاحب الحكاية لرؤية ما يجري في حكايته، في الحقيقة أحسست بأنني انتقلت لفترة السبعينات من القرن الماضي رغم أني من مواليد 1981، وأنا ومعي عدد من أعضاء مجموعة سامي محمد للفنون التشكيلية الكويتية.

حيث كنا على موعد للاستماع لحوار خاص مع الأب الروحي للمجموعة والنحات العالمي الفنان التشكيلي سامي محمد، جلس أبوسامه وحوله أبناءه الفنانين الواعدين مستمتعين بأحاديثه، فمن النادر أن يحظى أي منا بفرصة للقاء فنان بحجم وتاريخ سامي محمد، فالمكان الذي جمعنا مقر جمعية السدو الحرفية أو ما يعرف ببيت السدو، المقر الدائم لمجموعة سامي محمد للفنون التشكيلية، كانت الساعة السادسة مساء والفنان سامي محمد عهدناه ملتزما بمواعيده فحضر هذا اللقاء على الموعد، لم يكن مقررا أن أسجل له هذا الحوار ولكن كانت فرصة سانحة لطالما طالبته مرات عدة بأن أحظى بهذه الفرصة لتسجيل حوار خاص ليروي لي حكاية تمثال الشيخ عبدالله السالم وتمثال الشيخ صباح السالم، اللذان نصبا في مبنى جريدة الرأي العام في شارع الصحافة.


كان الهدف من تسجيل هذا الحوار معرفة قصة تمثال الشيخ عبدالله السالم كاملة، بعد أن تزايدت المعلومات المغلوطة حول هذا التمثال، إضافة إلى رغبة العديد من المهتمين بالفن التشكيلي لمعرفة

في عام 1971 المرحوم عبدالعزيز المساعيد صاحب امتياز ورئيس تحرير جريدة الرأي العام، للمحبة المتبادلة بينه وبين الأمير الراحل الشيخ عبدالله السالم بحث عن طريقة لتخليد ذكرى هذه الشخصية العظيمة في تاريخ الكويت، من خلال عمل فني يضعه مقابل مبنى الجريدة في منطقة الشويخ (شارع الصحافة).

زار المرسم الحر بعدما سأل عن تكلفة عمل النصب التذكاري خارج الكويت والتي كانت تكلف الكثير، وقرر أن ينظم مسابقة بيننا نحن النحاتين وقتها خزعل القفاص والمرحوم عيسى صقر وأنا، وقدم كل فنان منا نموذجا يجسد فيه الفكرة من النصب التذكاري، بالنسبة لي قدمت نموذجا قريبا جدا من الشيخ عبدالله السالم نتيجة حبي للعمل على (البورتريه) حتى أنني اهتممت كثيرا وتمرنت على نحت جميع أجزاء الجسم كاملا، وأعود للنموذج الذي مازلت أحتفظ به في البيت على الرغم من الدمار الذي حل به من قبل الجنود العراقيين الذين قطعوا رأس التمثال، وفي مغامرة لي أيام الاحتلال العراقي الغاشم تسللت للبيت لإخراج بعض الحاجيات ومنها النموذج.


عاد المرحوم عبدالعزيز المساعيد لاختيار بين النماذج المقدمة، واختار التمثال الذي قدمته نظرا لتجسيدي أحداثا عدة في التمثال، حيث يجلس الشيخ عبدالله السالم على كرسي الحكم، نظرا لأن الكرسي يمثل مكانا للخطابة وهو مكان لا يعتليه إلا من يمكن من المكانة السياسية بين الناس وقادر على كسبهم، كما وضعت يده اليمنى على الدستور، كما أنني وضعت على الجانب الأيمن من الكرسي ملامح من التقدم في المجال الصناعي والتعليمي، في حين جسدت خلف الكرسي ماضي الأجداد والآباء من حياتهم في البحر، بينما خصصت الجانب الأيسر من الكرسي للتقدم العمراني الذي شهدته الكويت في عهد الشيخ عبدالله السالم.

بعد نجاحي في تلك المسابقة المصغرة طلبني عبدالعزيز المساعيد للحديث حول تفاصيل عملية تنفيذ التمثال، وقلت له بأني بحاجة لمكان لتنفيذ المنحوتة إضافة إلى الخامة التي أحتاجها لتنفيذها في مرحلتها الأولى، وبعد ذلك يمكننا العودة للحديث عن المرحلة الأخرى من تنفيذ المنحوتة، قام المرحوم بتخصيص مكان لي في مطبعة جريدة الرأي العام (القديمة)، وبدأت العمل في الجبرة الخالية من أي موظفين، وبقيت أعمل على المنحوتة ما يقارب العام تقريبا، حيث كانت الخامة التي عملت بها المنحوتة الطين وبعد ذلك حولتها إلى خامة الجبس.

في الحقيقة كانت تواجهني مشكلة كادت أن تفسد نجاحي في مسابقة المساعيد، وقتها كانت كافة الصور المتداولة للأمير الراحل الشيخ عبدالله السالم بالأسود والأبيض، إضافة إلى عدم وجود أي تسجيلات يمكنني الاستفادة منها لمعرفة جسم الشيخ عبدالله السالم، وخاصة وجهه، كما يعرف الجميع فالنحت يعتمد على الدقة في نقل تفاصيل الوجه والحصول على وجه مقارب للشخصية الحقيقة بنسبة قد تصل إلى 100%، وفر المساعيد وقتها كافة الصور المتاحة وجلست أبحث بجد عن كيفية تجسيد هذه الشخصية، ففي كل مرة أردت أن أنحت شخصا ما أضعه أمامي وأقوم بنقله بسهولة، كما حصل هذا حينما كنت أنحت والدتي رحمها الله والعديد من الأشخاص الذين جلسوا أمامي لأنحتهم، لكن هذه المرة الصعوبة تكمن في أن هذه الشخصية لن تكون حاضرة أمامي، إضافة إلى أنه مطلوب مني تنفيذ التمثال بدقة عالية.

كانت بحق معاناة كبيرة جدا تتطلب التركيز وهي على كل حال ستكون اختبارا لي لتثبت بأني فنان تشكيلي ونحات، خصوصا وأن بعض الرسامين يقومون بنقل "البورتريه" من الصور ولا يمكنهم التعامل مع هذا النوع من الرسم عندما يكون الشخص موجود بالفعل أمامهم، في حد ذاته هذا لا يعتبر بأي حال من الأحوال فنا.

أثناء عملي على تنفيذ التمثال داخل الجبرة كان الشك يزورني مرات ومرات حتى أنني أحسست بأنني أخطأت في تنفيذه، أذكر بأني أسهر على التمثال حتى الثانية فجرا في منطقة الشويخ، حيث كان هناك تعليمات أمنية بفرض نوع من حظر التجول في تلك الساعات المتأخرة بتلك المنطقة، حتى أنه في العديد من المرات تصادفني بعض الإحراجات خلال نقاط التفتيش خصوصا وأنا أرتدي (بنطول وقميص) مما أجد صعوبة في إقناع رجال الأمن بأني كويتي ولست بعامل من جنسية أخرى.



قررت أن أجد من ينتزع بذرة الشك التي راودتني كثيرا خلال عملي، وخصوصا وأني أشرفت على الانتهاء منه ولا أحتاج إلا ضمان نجاحي في الوصول لنسبة عالية جدا من تمثيل الشيخ عبدالله السالم في هذه المنحوتة، في احد الأيام ترصدت في الشارع المقابل للمطبعة التي أعمل فيها، انتظر أي شخص يطوف بجانب الرصيف لأستدعيه كشاهد إثبات، وصدف أن أوقفت مقيمان مصريان "صعايدة" وطلبت منهما الدخول معي لرؤية التمثال، وبمجرد دخولهما تعرفا على الشيخ عبدالله السالم حتى أن أحدهما قالها بطريقة انبهار "هو ده الشيخ.." بهذه الطريقة تأكدت من نجاحي، كم أحسست يومها بأني نجحت وحققت ما كنت أخشى أن أفشله به، وطوال عملي لم يطلع عبدالعزيز المساعيد على العمل وبقي يترقب انتهاء التمثال.



عام 1972جاء يوم رفع الستار عن تمثال الشيخ عبدالله السالم وسط حضور أعضاء مجلس الأمة، وعدد من المسؤولين وجماهير غفيرة وصحافيين وفنانين ومهتمين، حيث رفع الستار عن التمثال داخل دار الرأي العام ولم نضع التمثال أمام مبنى الجريدة كما كان مقررا للأمر، والسبب في ذلك أن المساعيد أراد في البداية أن "يجس" نبض الشارع والمسؤولين عن وضع التمثال الأول من نوعه في الكويت، حيث انتشر الخبر عبر وسائل الإعلام والناس حتى تدخلت جمعية الإصلاح الاجتماعي في إيقاف هذه الفكرة عبر خطاب مرسل من قبلهم للمرحوم المساعيد مما كاد أن يحول هذه المناسبة لقضية سياسية دينية، وتشاورت مع المساعيد على هذا الأمر، فقرر المساعيد عرض التمثال داخل مبنى الجريدة من دون أن يقلل ذلك من أهمية الحدث، وخاصة وأننا لا ندري ما يمكن أن يتعرض له التمثال!!

ولجمعية الإصلاح دور أيضا في قرار بلدية الكويت في ضرورة إزالة التماثيل التي نصبناها على سور الجمعية الكويتية للفنون التشكيلية في بداياتها عام 1967، في مقرها القديم "بيت النقيب" بالقرب من مجلس الأمة الحالي على شارع الخليج العربي، كنا نسعى لتزيين الشارع أنا والعديد من الفنانين فوضعنا إنتاجنا على واجهة سور الجمعية، كمساهمة منا للتعريف بقدرة الجمعية وقتها على المساهمة في تزيين الشوارع والميادين، للأسف صدر القرار من البلدية بإيعاز من جمعية الإصلاح التي اعتبرت هذه التماثيل خروجا عن العادات والتقاليد، قررنا الامتثال للخطاب "الإنذار" الذي لم يمهلنا سوى أسابيع وإلا قامت البلدية بإزالة أعمالنا، من دون التفكير بأن نقوم بالتصعيد الإعلامي والمواجهة آنذاك، لم أكن راضيا بهذا القرار فما قمنا به هو من صميم عملنا من جانب ومن جانب آخر كنا نود أن نزين شوارع الكويت..ولكن!!

صدى الاحتفال وصل للوطن العربي، خاصة وأنه لا يوجد تمثال يحظى بهذا الاهتمام في دولة عربية مثلما حظيت أنا به في ذلك اليوم التاريخي، الذي اعتبره من أبرز أيام الحركة التشكيلية الكويتية، ووقتها عمري لم أتجاوز الثلاثين عاما حيث كانت أسرتي صغيرة جدا أنا وزوجتي وابنتي هيفاء وكوثر، وفي نفس العام ولد ابني أسامه.


سافرت بعدها للدراسة في الولايات المتحدة الأمريكية، فأنا من ضمن الفنانين الذين حظينا بالتفرغ الفني وحظينا بفرص لاستكمال دراساتنا في العديد من الدول، تجولت في بعض الدول الأوروبية للتعرف على أفضل المسابك وعلى العديد من التجارب الفنية في مجال النحت، وأذكر بأن تكلفة "المسبك" تتعدى الثلاثين ألف دينار وهو مبلغ باهض الثمن في تلك الفترة، وبعد عودتي واستكمالي الدراسة طلبني عبدالعزيز المساعيد مجددا لاستكمال المرحلة الثانية والنهائية من منحوتة الشيخ عبدالله السالم، فقررنا أن تكون مادة المنحوتة "القالب" من البرونز خاصة وأن التمثال على وضعه الحالي "الجبس" بدأ في التآكل وعمره الافتراضي لن تتجاوز السنتين في أحسن الأحوال، تم شحن التمثال عن الطريق البحر لبريطانيا، وهناك بدأنا العمل في سباكة التمثال بالبرونز وعدنا مجددا بالتمثال للكويت ولكن هذه المرة من دون أي ضجة إعلامية أو احتفال كما حظي به التمثال لحظة رفع الستار عنه.

قبل الغزو العراقي بعامين 1988 طلب مني المرحوم عبدالعزيز المساعيد هذه المرة، لمناقشة تنفيذ تمثال آخر وهذه المرة لشخصية أخرى وهي أمير الكويت الراحل الشيخ صباح السالم، خاصة وأن المرحوم المساعيد عرف مع من يتعامل وعرف دقتي في تنفيذ تمثال الشيخ عبدالله السالم قبل عشرة سنوات تقريبا، هذه المرة كانت تكلفة التمثال أعلى من المرة السابقة حيث وصلت قيمة التكلفة وقتها إلى حوالي خمسين ألف دينار كويتي، يصل ارتفاع التمثال للشيخ صباح السالم 4 أمتار ونصف، هذه المرة يحتاج التمثال لمكان يسمح لهذا الارتفاع خاصة وأن الجبرة القديمة لم تعد تصلح، هذه المشكلة تجاوزتها بالعمل في محترفي الخاص في منزلي بمنطقة الرقة، هذا المحترف الذي زاره الطلبة المشاركين في إحدى ورش العمل التي قدمتها في رابطة الحرفيين مع نخبة من الفنانين التشكيليين منهم المرحوم عيسى محمد، أذكر بأن الطلبة زاروا المحترف وكان من بينهم بعض الأسماء التي أصبحوا فيما بعد فنانين تشكيليين مثل الفنان التشكيلي الراحل محمد الأيوبي، في حين لم يكمل بعضهم الآخر المشوار.

قمت بتنفيذ الجزء العلوي من التمثال، المتمثل بالرأس والصدر فقط نظرا لصغر مساحة محترفي الخاص، على أن أكمل بقية التمثال في مكان آخر حتى أنني كثيرا ما ألجأ لأفراد أسرتي ليطمئنوني على وصولي لنسبة عالية من شبه الشيخ صباح السالم حيث كنت بمجرد أن أسمع من زوجتي أو من أحد أولادي بأن هناك جزء غير سليم، أمسك بالمطرقة وأبدأ في تحطيم التمثال والعودة للنحت مجددا، فذات المعاناة لاقيتها أثناء تنفيذي التمثال بحثت عن العديد من الصور في العديد من الهيئات الحكومية، حتى أني زرت الشيخ سالم صباح السالم رحمه الله في ديوانه بمنطقة المسيلة، لعله يسعفني بعدد من الصور التي أستفيد منها، ما زلت أذكر استقباله لي بحفاوة من مدخل الديوان، قدم لي كل ما يملكه من أجل أن أحقق غايتي المنشودة.

أخذت المرحلة الأولى من تنفيذ المنحوتة ما يقارب الأربعة شهور، قضيتها في محترفي ضحيت فيها بالعديد من الساعات من أجل إعادة نحت الأجزاء التي أراها غير موفق بنحتها، حتى حانت اللحظة الحاسمة تلك اللحظة التي سيحكم فيها المرحوم عبدالعزيز المساعيد على العمل، وصل المساعيد إلى منزلي كنت بقدر تلهفي لاستقباله بقدر ما كرهت لحظات الرهبة التي تملكتني كلما تقدم المساعيد خطوة باتجاه الطابق العلوي من محترفي حيث مكان التمثال!!


وصل المساعيد إلى الطابق العلوي كنت أراقب كل خطوة يخطيها بانتظار أن يحسم حالة الترقب، وبعد تأمله بالتمثال التفت إلى قائلا "قواك الله..تمام" هكذا أطفأ المساعيد نار التوتر، ونجحت من جديد في كسب ثقته وتعزيز ثقتي بنفسي، لحظتها أحسست بالراحة والسعادة تغمرني وتكتسح المحترف، بعدها قرر المساعيد أن أشد الرحال لبريطانيا لاستكمال بقية التمثال والعودة بعده مجددا للكويت، هناك حجزت مخزن خاص للعمل على استكمال التمثال وكان لزاما أن يكون العمل دقيقا إلى أبعد الحدود خصوصا وأن مسألة تركيب النصف الأول من التمثال مع النصف الآخر، بحاجة لحسابات دقيقة وعمل دؤوب استغرق مني ما يقارب الشهرين أمضيتها بصحبة تمثال الشيخ صباح السالم.

عدنا بتمثال صباح السالم إلى الكويت لكنه لم دخل دار الرأي العام، في موكب صامت لا ينم عن فرح وبدأنا بتثبيته داخل المبنى حيث يصل عمق الخرسانة الاسمتنية ما يقارب الثلاثة الأمتار تحت الأرض إضافة إلى أسياخ وبراغي خاصة لضمان ثباته، كل هذا جرى قبل الغزو العراقي بأشهر قليلة جدا، فقط كانت علامات البهجة واضحة بين العاملين في الجريدة الذين حضروا لحظات دخول التمثال مع نشر الخبر وصور التمثال، لينضم إلى تمثال عبدالله السالم.



بعد التحرير استدعاني المرحوم عبدالعزيز المساعيد للمرة الثالثة، هذه المرة لترميم وإصلاح ما أفسدته أيادي الغدر الغاشمة حيث تم إطلاق قذيفة "بازوكا" حسبما أعتقد، بهمجية على العملين، فأصيب تمثال عبدالله السالم في خده بينما أصيب تمثال صباح السالم في قلبه، وكأن الغزاة يريدون الانتقام من الكويتيين بإلحاق الأذى بالتماثيل، وعندما سألني المساعيد طلبت منه إبقاء آثار العدوان كما هي لأنها ستبقى شاهدا على همجية الغزو العراقي وكيف كان يريد تدمير الهوية الثقافية والحب الذي يجمع الكويتيين حكاما وشعبا.

في الحقيقة أرى أنه إذا فكر أحد بإخراج التمثالين من دار الرأي العام، فالمكان المناسب لتمثال الشيخ عبدالله السالم هو مبنى مجلس الأمة، فهذا الرجل هو أبو الدستور كما يعلم الجميع ولا يستحق مكانا أفضل من ذلك المكان، أما تمثال الشيخ صباح السالم فمكانه تمنيت أن يكون في المتحف الوطني، وهذا ما ناقشته مع نجل المرحوم عبدالعزيز المساعيد "فهد" وقلت له في حينها أنني على أتم الاستعداد في نقل التماثيل، لكن لم أسمع الرد حتى الآن.



ما أن انتهى أبوسامة الفنان الكبير سامي محمد حتى تساءل الجميع إن كان، ما يزال التمثالان في جريدة الرأي العام، وهل بالإمكان زيارة المكان؟ .. بدا هذا السؤال الجماعي دليل على استمتاعنا بحكاية سمعناها من صاحبها، بحثت وقتها عن تساؤلات أخرى عديدة، بعضها اعتبرتها غبية وبعضها الآخر كان دافعها استمرار بقاءنا في المكان، فالوقت داهمنا ويجب أن نغادر بيت السدو لأن موعد إغلاق البيت قد حان، لكنني على المستوى الشخصي كنت لا أمانع أن أبقى مع الفنان سامي محمد أياما ليحدثني عن أعماله، فيكفي أن تنظر إلى أحد أعماله لتفكر كيف وصل إلى هذا المستوى، وفي أي زمن كان ليحظى بتلك الفرص وأي إرادة هذه التي تجعله يكمل المشوار، فالعديد من أعماله باتت رمزا فنيا يعرف فيه العالم بأن هناك في الكويت مبدعون أمثال سامي محمد.

وقبل وداعي للفنان سامي سألته إن كان هناك تمثال آخر قد نفذه بخلاف، الطلب الذي جاءه من قبل المرحوم عبدالعزيز المساعيد؟ .. قال بأنه نفذ تمثالا لشخصية تاريخية إسلامية هي "صلاح الدين الأيوبي" بعد أن طلب منه الفنان أيوب حسين، الذي كان يشغل منصب مدير"ناظر" لأحدى المدارس الحكومية، وافقت على طلب الصديق العزيز ورحت بمعاونة معلمين التربية الفنية بتنفيذ التمثال المميز، إلا أن الصديق أيوب حسين قام بعد سنوات وقبل تقاعده بتدمير التمثال بحكم تدينه وخوفه من أن يحسب عليه "أثم".

أعتقد بأن هذه الحكاية تجبرني على التفكير بمصير التمثالين، فعلا لماذا لا نخرجهما للناس ونخرج كل الأعمال الرائعة التي أبدعتها الأيادي الكويتية، فالميادين والساحات العامة هي أحوج لنصب تذكارية نخلد فيها ماضي الكويت ونؤكد من خلالها على وجود المبدعين، لطالما كانت النصب التذكارية هي ما يميز الدول الحضارية، تكاد ميادينهم تغص بالتحف والآثار والتماثيل، بل وتعتبر مزارا سياحيا ثقافيا يشد من أجله الرحال العديد من السائحين حول العالم، فكرة إخراج التمثالين وإن كانت فكرة تحتاج لنجاحها المادة وهذه يمكن توفيرها إلا أنها باعتقادي الشخصي هي تحد بين فريقين فريق يريد الانغلاق وتدمير كل ما صنعه المبدعين في الكويت وفريق يطمح بأن نعيد الكويت كما كانت منارة ثقافية وحضارية، حتى يكون امام شباب المستقبل المبدع الدافع للعمل والمضي في ذات الطريق الذي ارتضاه المبدعون في الكويت.





من اللقاء..

نسخة في الشارقة

احتفظ الفنان سامي محمد بالنسخة المصغرة "النموذج الأصلي" من تمثال صباح السالم في بيته بإمارة الشارقة بدولة الإمارات العربية المتحدة، ولا يتعدى ارتفاعه المتر.

100 ألف دينار
يقول سامي محمد إن من بين الأقاويل التي سمعها بأن أسرة آل المساعيد لم تقبل ببيع التماثيل حتى لو بلغ المبلغ 100 ألف دينار!!

مهمة شاقة
ثبت سامي محمد أعماله الخالدة بالأرض بحمولة 2 طن من الاسمنت، وأكد على أنه في حال سمح بنقل التماثيل بيوم من الأيام ستكون مهمة شاقة.

بانتظار التكليف
أشار النحات العالمي بأنه في حال كلف بتنفيذ تمثال لأحد حكام الكويت وبعض الشخصيات، فهو على أتم الاستعداد.

إحساس بالضيق
اعترف سامي محمد بأنه شعر بالضيق في بداياته من تدخل جمعية الإصلاح، والداعين لوقف فن النحت في الكويت، لكنه الآن لا يهتم لهذا الأمر.

بحاجة للوق
يملك سامي محمد العديد من الصور الخاصة لبدايات جمعية الفنون التشكيلية، لكنه يحتاج لوقت طويل للبحث عنهم في محترفه.

احترام للحضور
سأل سامي محمد الحضور إن كان قد أسرف في الحديث، لربما كان هناك التزامات أخرى للحضور.

صبر وإرادة
أكد سامي محمد على أن فن النحت بالكويت ليس له جذور، وإن من يريد الدخول فيه بحاجة للإرادة والصبر حتى يصل لما يريده.